السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

282

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

ولعمري لقد كان هذا الرجل أحد الجبابرة الطغام ، وأوحد المتكبّرين على الأنام ، أقام بمكّة المشرّفة ثلاث سنين ، وهو لم ير له بها قرين ، يسوم أهلها بالخسف والهوان ، ويعاملهم بالتحقير والامتهان ، لا يعرف الشفقة على عباده ، ولا تلابسه الرحمة على صلحاء البلد الحرام وعبّاده . نشأ بمصر القاهرة وأسنّ بها ، وتحلّى بحلية أهل الأقلام فترقّى بسببها ، وصار كاتبها الكبير ، ومرجع أهلها في كلّ تدبير . فنفث فيهم نوافث سحره ، وافتنّ بينهم بفساده ومكره ، حتّى أجمعوا على تخريجه من البلاد ، وتوجيهه إلى مكّة المشرّفة مع غيره من أهل الفساد ، مع دفع جانب من المال ، ليسلم به من القتل . وقد ولي منصب السردارية سنة أربع وأربعين ، كما تقدّمت الإشارة إليه ، وأعيد إليه في السنة المذكورة التي صار عليه فيها ما صار ، وتوجّه لملاقاة الملك الجبّار . ثمّ تولّد من قتله فتن عظيمة ، ومتاعب على الخلق جسيمة ، وهو أنّ العساكر المصريّة تعصّبت وتحزّبت ، واستدعوا بمن كان ببندر جدّة منهم ، وتلقّى حاضرهم باديهم ، وعمرت بمدّ الإطاعة نواديهم ، فصاروا جمعا عظيما ، وتفرّقوا في بيوت سويقة وغيرها ممّا قاربها ، وسدّوا منافذ الأزقّة ومساريها ، واخترعوا متارس في تلك الدور ، وأظهروا العجب بكثرتهم والسرور . فأرسل إليهم مولانا الشريف من يكشفهم عن ذلك ، فأجابوا بأجوبة سقيمة ، تأباها قواعد الشرع المستقيمة ، وفي الباطن قد أضمروا وصمّموا ، وحزموا ولم يتكلّموا ، على رفع الشريف عن مكانه ، وعزله عن ملكه وسلطانه . وفي أثناء ذلك قد أصدروا أرقاما إلى مناهيهم بمصر ، وإخبارهم بما أصاب كبيرهم ، وإفهامهم بأنّ ذلك كان عن أمر من الشريف ، قاصدا به إذهابهم وتدميرهم ،